حين يسقط القلم في مستنقع التعصب … رسالة مفتوحة إلى بعض الصحفيين السنغاليين
هاجموا الصحفيين المغاربة بعد الاعلان عن ضربة جزاء

بقلم : عبد الهادي الناجي
لم تكن لحظة الإعلان عن ضربة الجزاء في نهائي كأس أمم إفريقيا اختبارًا للاعبين وحدهم ، بل كانت امتحانًا أخلاقيًا للمهنة الصحفية في القارة السمراء . امتحانًا سقط فيه للأسف بعض الصحفيين السنغاليين سقوطًا مدويًا ، وهم يهاجمون زملاءهم المغاربة بعبارات جارحة وتحريضية ، لا تمت بصلة لا للإعلام ولا للأخلاق ولا لروح إفريقيا التي نتغنى بها .
ما حدث بعد إعلان ضربة الجزاء لم يكن انفعالًا عابرًا ، بل كان انفجارًا لفظيًا خطيرًا ، كشف كيف يمكن للقلم أن يتحول من أداة تنوير إلى أداة شحن وكراهية . صحفيون يفترض فيهم تهدئة الأجواء ، فإذا بهم يصبون الزيت على النار ، ويوجهون سهامهم نحو صحفيين مغاربة لا ذنب لهم سوى أنهم ينتمون لبلد ينافس على اللقب .
هنا يجب التذكير بحقيقة أساسية : الصحفي ليس مشجعًا في مدرج ، بل ضمير مهني في ساحة عامة . حين يتخلى الصحفي عن توازنه ، يصبح أكثر خطورة من أي مشجع متعصب ، لأن كلمته تصنع الرأي العام ، وتؤثر في الشارع ، وقد تفتح أبواب الفتنة والعنف .
لقد تابعنا عبارات مستفزة ، وسخرية غير لائقة ، وهجومًا شخصيًا لا علاقة له بالمباراة ولا بالتحكيم ولا حتى بالكرة . كان المشهد صادمًا ، لأن من يفترض أن يدافع عن قيم الحوار والاحترام ، انزلق إلى خطاب الكراهية ، وكأننا أمام نشطاء تعصب لا أمام رجال إعلام .
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه يضرب في الصميم فكرة الإعلام الإفريقي المسؤول . فنحن ، كصحفيين أفارقة ، لسنا خصومًا في معركة ، بل شركاء في بناء وعي رياضي يحمي جماهيرنا من الانزلاق إلى العنف . وما وقع يناقض تمامًا هذا الدور النبيل .
لسنا في حرب بين المغرب والسنغال ، بل في منافسة رياضية شريفة ، قد نربح فيها اليوم ونخسر غدًا . أما الصحافة ، فإذا خسرت أخلاقها مرة واحدة ، فإنها تخسر ثقة الشعوب لسنوات طويلة .
إن احترام الزميل ، حتى في لحظات التوتر ، ليس ترفًا مهنيًا ، بل أساس المهنة . والاختلاف في المواقف لا يبرر السقوط في الإساءة ، لأن الصحافة التي تتخلى عن رصانتها ، تتحول إلى منصة تعبئة خطيرة لا تختلف كثيرًا عن منابر التحريض في الشوارع .
هذه رسالة صادقة إلى زملائنا في السنغال :
القلم أقوى من القدم ، وتأثيره أعمق من صافرة الحكم . فإما أن نكون جسور تهدئة بين الشعوب ، أو نكون معاول هدم في لحظات الانفعال . والتاريخ لا يرحم من يختار الطريق الخطأ ، خاصة حين يكون اسمه مسبوقًا بلقب : صحفي .
فالرياضة تمر ، والنتائج تتغير ، أما الكلمة فتبقى شاهدة . إما أن تشهد لصاحبها بالمهنية ، أو تدينه أمام الضمير الإفريقي والإنساني .