حين تختبرنا المحن … نكتشف من نكون

بقلم : الناجي عبد الهادي
لسنا شعبًا عاديًا حين تشتدّ العواصف ، نحن شعب يُعيد اكتشاف نفسه كلما ضاق الأفق وكلما امتحنته الطبيعة أو الحياة ، فما رأيناه في الأيام الأخيرة ليس مجرد فيضانات ، بل مرآة كبيرة عكست معدن المغاربة ، حين توحّد الوجع وتلاقى القلب مع القلب قبل أن تتلاقى الأيادي ، ففي لحظات الخطر تسقط الأقنعة ولا يبقى إلا الإنسان في جوهره ، إمّا حاضرًا أو غائبًا عن معنى الانتماء ، لأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالضجيج ، بل بالهدوء الذي يصنع الفعل وبالخطوة التي تُمدّ دون انتظار مقابل ، وهكذا تُبنى الأوطان ، لا بالشعارات بل بالمواقف ، ولا بالكلمات بل بالأفعال ، فالمحنة تمرّ لكن ما يبقى هو الدرس ، والدرس واضح … حين نكون معًا لا تتصدع البلاد … ليست الفيضانات وحدها من غمرت القصر الكبير …
بل غمرتها قبل ذلك موجة إنسانية أعادت تعريف معنى الوطن …
ما حدث لم يكن تفاعلًا عاطفيًا عابرًا على مواقع التواصل ، بل بداية وعي جماعي أدرك أن الكوارث لا تُواجه فقط بالإمكانات ، بل بروح التآزر ، وبشعور صادق بأن المتضرّر ليس رقمًا في نشرة ، بل إنسان له حق في الكرامة والأمان …
التضامن الذي انطلق من الفضاء الرقمي سرعان ما نزل إلى الأرض …
تحوّل إلى مبادرات ، وإلى أيادٍ ممدودة ، وإلى قوافل تحمل قبل المؤونة رسالة مفادها أن المغرب ، حين يُصاب ، يلتئم …
لكن الأهم من المشهد ذاته ، هو ما بعده …
لأن التضامن الحقيقي لا يُقاس بلحظة الطوارئ فقط ، بل بقدرتنا على تحويل هذا الزخم إلى رؤية طويلة المدى ، تُفكّر في الوقاية ، وفي إعادة التأهيل ، وفي حماية المناطق الهشة من تكرار المأساة …
ما جرى يطرح سؤالًا أكبر …
هل نكتفي بالإغاثة ، أم نؤسس لثقافة استباقية تجعل من الإنسان محور السياسات العمومية … القصر الكبير اليوم ليست مدينة منكوبة فقط ، بل مرآة لوطن يملك ضميرًا حيًا ، وإذا أُحسن الإصغاء إليه ، يمكن أن يصبح شريكًا في بناء الأمان الجماعي …
وهكذا …
حين ينهض المجتمع …
تبدأ الدولة في التجدد …