الرئيس السينغالي وصخب التصريحات … حين اختار المغرب أن ينتصر بالصمت …

عبد الهادي الناجي

في السياسة كما في الرياضة … ليست كل المعارك تُحسم بالتصريحات النارية أو بردود الفعل المتسرعة .
هناك لحظات يصبح فيها الصمت موقفا أقوى من الكلام ، وتتحول فيها الحكمة إلى أداة قوة لا إلى علامة تردد .
وهذا بالضبط ما حدث خلال قمة “ إفريقيا إلى الأمام ” التي احتضنتها نيروبي ، حين أثارت تصريحات الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي الكثير من الجدل داخل الأوساط الإفريقية والرياضية .

الرئيس السنغالي ، وأمام عدد من القادة الأفارقة والشخصيات الدولية ، تحدث عن منتخب بلاده باعتباره بطلا لكأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب .
تصريح لم يكن عاديا بالنظر إلى أن الملف ما يزال مطروحا أمام الهيئات الرياضية المختصة ، بعد القرار الذي أصدره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يوم 17 مارس 2026 ، والقاضي باعتبار المنتخب المغربي فائزا باللقب عقب انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب احتجاجا على قرار تحكيمي ، في مخالفة واضحة للوائح المنظمة للمسابقة .

لكن ما أثار الانتباه أكثر من التصريح نفسه … هو طريقة التعامل المغربي معه … فلا بلاغات غاضبة صدرت ، ولا ردود انفعالية خرجت من الوفد المغربي ، ولا محاولات لتحويل القمة إلى ساحة مواجهة سياسية أو إعلامية .
المغرب اختار طريقا آخر … طريق الدولة التي تدرك جيدا أن القضايا الكبرى لا تُدار بالعواطف ، بل بالمؤسسات والقانون .

ذلك الصمت لم يكن أبدا علامة ضعف ، كما حاول البعض تصويره ، بل كان تعبيرا عن ثقة واضحة في المسار القانوني الذي اختاره الجميع .
فالسنغال نفسها لجأت إلى محكمة التحكيم الرياضي للطعن في القرار ، ما يعني أن الحسم لم يعد في يد السياسيين أو الخطباء ، بل في يد المؤسسات الرياضية المختصة .

المغرب فهم مبكرا أن الانجرار إلى سجال علني كان سيمنح الموضوع حجما إعلاميا أكبر ، وربما كان سيحول قمة مخصصة للتعاون الإفريقي والتنمية إلى منصة لتبادل الرسائل السياسية والرياضية .
ولهذا فضلت الرباط أن تحافظ على هدوئها ، وأن تواصل الدفاع عن موقفها عبر القنوات الرسمية ، بعيدا عن ضجيج المنابر .

وفي العمق ، فإن ما جرى يعكس اختلافا واضحا بين منطقين في التدبير .
منطق يعتبر أن رفع الصوت قد يصنع الانتصار الرمزي ولو مؤقتا … ومنطق آخر يؤمن بأن الشرعية تُبنى داخل المؤسسات ، لا فوق المنصات .

المغرب ، خلال السنوات الأخيرة ، راكم صورة دولة تحرص على احترام القوانين الرياضية والأعراف الدولية ، وتتعامل مع الملفات الحساسة بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال .
ولذلك لم يكن بحاجة إلى الدخول في حرب تصريحات ، لأنه يدرك أن قوة المواقف لا تقاس بحجم الضجيج الذي تثيره ، بل بقدرتها على الصمود أمام المؤسسات والقرارات القانونية .

وربما هنا بالضبط تكمن الرسالة الأعمق في كل ما حدث .
فالدول الواثقة من شرعية مواقفها لا تحتاج دائما إلى الرد … لأنها تعرف أن الزمن والقانون كفيلان بوضع كل شيء في مكانه الصحيح .