حين كان القلم يصنع الهيبة … أبو عباد الله مصطفى وذاكرة جيل لا يتكرر …


كتب : عبد الهادي الناجي

في زمن كانت فيه الكلمة تُكتب بضمير ، وكان القلم مسؤولية قبل أن يكون مجرد وسيلة للظهور ، برزت أسماء صنعت مجد الصحافة الرياضية الوطنية والعربية ، وفرضت احترامها داخل المغرب وخارجه بفضل المهنية والجرأة والثقافة الواسعة .
ومن بين تلك الأسماء اللامعة ، يظل اسم أبو عباد الله مصطفى واحداً من الرموز الإعلامية التي تركت بصمتها الخاصة داخل المشهد الصحفي الرياضي ، بقلمه الرصين وأسلوبه الهادئ والعميق ، خاصة في الكتابة باللغة الفرنسية التي أتقنها باحترافية كبيرة وجعل منها نافذة لإيصال صورة الإعلام الرياضي المغربي إلى مستويات راقية .
أبو عباد الله مصطفى لم يكن مجرد صحفي يلاحق الأخبار أو يكتب التقارير اليومية ، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في التعاطي مع الحدث الرياضي بعقلانية واتزان ووعي مهني كبير . عرف عنه احترامه لأخلاقيات المهنة ، وابتعاده عن الإثارة المجانية ، إضافة إلى جرأته في التعبير عن مواقفه بكل مسؤولية ووضوح .
الرجل اشتغل في عدة منابر إعلامية ، وكان حاضراً في محطات رياضية كبرى داخل المغرب وخارجه ، ممثلاً للإعلام الوطني بأفضل صورة ، في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا ولا وسائل التواصل الحديثة متوفرة كما هو الحال اليوم . ومع ذلك ، نجح ذلك الجيل في إيصال صوته وصناعة تأثيره بالكلمة الصادقة والاجتهاد الميداني الحقيقي .
ولم يكن أبو عباد الله مصطفى وحده من حمل مشعل تلك المرحلة الذهبية ، بل رافقته أسماء كبيرة صنعت بدورها تاريخ الصحافة الرياضية المغربية ، من بينها  ، أقلام  مشاكسة معروفة بقوة تحليلاتها وجرأتها في تناول الملفات الساخنة ، إضافة إلى صحفيين  امتلكوا حضوراً قوياً وكلمة مسموعة داخل الوسط الإعلامي الرياضي ، مما جعلها تمنح للصحافة الرياضية المغربية قيمتها وهيبتها .
ذلك الجيل لم يكن يبحث عن “البوز” ولا عن الشهرة السريعة ، بل كان همه الأول الدفاع عن المهنة واحترام القارئ وتقديم مادة صحفية تحترم الذكاء وتؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أي شيء آخر .
واليوم ، وبينما يعيش الإعلام الرياضي تحولات كبيرة وضغطاً متزايداً بسبب السرعة والفوضى الرقمية ، تزداد الحاجة إلى استحضار نماذج من طينة أبو عباد الله مصطفى ، لأنها تذكر الجميع بأن الصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين ، بل بصدق الكلمة ، ونظافة القلم ، والقدرة على ترك أثر محترم في ذاكرة الناس .
ورغم تقاعده من العمل الميداني ، فإن قلمه ما زال حاضراً ، يكتب بسخاء ووعي وشغف ، وكأنه يرفض مغادرة عالم عشق تفاصيله لسنوات طويلة .
إنها تحية تقدير لجيل كامل من الصحفيين الذين حملوا الإعلام الرياضي المغربي فوق أكتافهم في ظروف صعبة ، ونجحوا في أن يكونوا خير سفراء للكلمة المغربية داخل الوطن وخارجه .