مشروع خصخصة كأس العالم ..هل يقود الفيفا إلى أكبر أزمة في تاريخها … ؟

لا توجد بطولة رياضية في العالم تضاهي كأس العالم من حيث القيمة الاقتصادية والتأثير الجماهيري. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يثير مقترح إنشاء شركة مستقلة لإدارة الحقوق التجارية والتسويقية وبث بطولات الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وفي مقدمتها كأس العالم، موجة واسعة من الجدل داخل أروقة كرة القدم العالمية.
فالجدل لا يتعلق بمشروع اقتصادي فحسب، بل يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يملك رئيس الفيفا صلاحية إعادة رسم النموذج الاقتصادي للمنظمة، أم أن مثل هذه القرارات تخضع لإرادة جماعية داخل مؤسسات الاتحاد؟
الفيفا، الذي تأسس عام 1904 ويضم 211 اتحادًا وطنيًا، يعمل كجمعية رياضية غير ربحية وفق القانون السويسري، وتُعاد استثمار عوائده في تطوير كرة القدم حول العالم من خلال دعم الاتحادات الوطنية والقارية وتمويل برامج التطوير والبنية التحتية، بدلاً من توزيع الأرباح كما هو الحال في الشركات التجارية.
ويستند نظام الفيفا إلى مبدأ ديمقراطي يمنح كل اتحاد وطني صوتًا واحدًا داخل كونغرس الفيفا، بغض النظر عن حجمه أو قوته الكروية. ويُعد الكونغرس السلطة العليا التي تنتخب الرئيس وتعتمد القرارات المصيرية، بينما يتولى مجلس الفيفا رسم السياسات والإشراف على تنفيذها.
ورغم أن رئيس الفيفا يمثل أعلى سلطة تنفيذية وسياسية في المنظمة، فإن صلاحياته ليست مطلقة. فهو يقود الاجتماعات، ويمثل الفيفا أمام العالم، ويقترح المبادرات والاستراتيجيات، لكنه لا يستطيع اعتماد المشروعات التجارية الكبرى أو إعادة هيكلة أصول الفيفا بقرار منفرد، إذ تخضع هذه الملفات لموافقة مجلس الفيفا، وفي بعض الحالات لقرار الكونغرس واللجان الرقابية المستقلة.
ومن هنا جاءت حساسية المقترح الذي طرحه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بإنشاء شركة متخصصة لإدارة الحقوق التجارية والتسويقية وحقوق البث الخاصة ببطولات الفيفا. ويرى مؤيدو الفكرة أنها ستمنح المنظمة مرونة أكبر في إدارة استثماراتها وتعظيم إيراداتها، فيما يخشى المعارضون من أن تمثل تحولًا جذريًا في طبيعة الفيفا، وتنقل أهم أصوله التجارية إلى كيان منفصل، بما قد يثير تساؤلات حول الحوكمة والشفافية.
ولهذا لم يكن بإمكان إنفانتينو المضي في المشروع منفردًا، بل اضطر إلى عرضه على مؤسسات الفيفا والاتحادات الوطنية الأعضاء لاستكمال الإجراءات النظامية، وهو ما يؤكد أن القرارات الاستراتيجية داخل الاتحاد لا تصنعها إرادة الرئيس وحده، بل منظومة مؤسسية متكاملة.
وقد زاد من سخونة النقاش صدور مواقف متحفظة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي يرى أن أي تغيير في إدارة الحقوق التجارية يجب أن يحظى بتوافق واسع ويحافظ على مبادئ الحوكمة التي أُقرت بعد إصلاحات الفيفا في السنوات الأخيرة. كما تتحدث أوساط رياضية عن احتمال اتساع دائرة الاعتراض إذا لم تُعالج المخاوف التي تثيرها بعض الاتحادات القارية.
وفي المقابل، فإن النظام الأساسي للفيفا وضع آليات واضحة لمساءلة الرئيس، إذ يملك الكونغرس صلاحية سحب الثقة منه وفق الإجراءات القانونية، كما تمتلك لجنة الأخلاقيات المستقلة صلاحية التحقيق في أي مخالفات قد تؤدي إلى إيقافه أو منعه من ممارسة أي نشاط يتعلق بكرة القدم، وهو ما يؤكد أن رئيس الفيفا، مهما بلغت شعبيته أو نفوذه، يبقى خاضعًا لمؤسسات الاتحاد وقواعده.
قد يكون مشروع الشركة التجارية فرصة لتطوير النموذج الاقتصادي للفيفا، وقد يكون بداية خلاف مؤسسي غير مسبوق. لكن المؤكد أن مستقبل هذا المشروع لن يحدده رئيس الفيفا وحده، بل ستحدده الاتحادات الوطنية ومؤسسات الحوكمة داخل المنظمة.
فإذا نجحت الفيفا في تحقيق التوازن بين التطوير الاقتصادي والشفافية المؤسسية، فقد تفتح صفحة جديدة في تاريخ إدارة كرة القدم العالمية. أما إذا تعمقت الخلافات بين الفيفا والاتحادات القارية، فإن العالم قد يكون أمام واحدة من أكبر الأزمات التي عرفتها المنظمة منذ عقود.