سلسلة مغرب الحضارة … خطاب السيادة بكل أبعادها : خارطة الطريق للمغرب الحضاري … فمن يلتزم به … ! ؟

كتب : عزيز رباح

لم يكن اختيار تلاوة آية ” البر ” في افتتاح الولاية التشريعية لمجرد محطة بروتوكولية ، بل حمل في طياته دلالات عميقة ورسائل بالغة لكل المسؤولين والمنتخبين . إن استحضار المرجعية الأخلاقية والقيمية في العمل السياسي ليس تزييناً خطابياً ، بل هو تذكير بأن جوهر الحكم والتشريع يرتكز على أمانة الوفاء والمسؤولية .

فالبر الحقيقي في الممارسة المؤسساتية يتجلى حين تتحول السياسات العمومية إلى درع لحماية كرامة المواطن ، ورافعة لتقليص الفوارق الاجتماعية ، ومسار عملي يترجم الوعود إلى منجزات ملموسة تلامس نبض الحياة اليومية للناس . وتلك هي المعادلة التي تقرن الشرعية السياسية حتماً بالنجاعة الميدانية والأثر الإيجابي المستدام .

وقد جاء الخطاب الملكي السامي ليترجم هذه المعاني السامية إلى خارطة طريق سيادية متكاملة ؛ روحها الهوية الحضارية ، ومرجعيتها إمارة المؤمنين ، ومنجزها نخب سياسية وتدبيرية نزيهة تحمل الأمانة بكل تجرد وإخلاص ، وهدفها تنمية تخدم الإنسان ، وتبني العمران ، وتحقق العدالة الاجتماعية والمجالية .

وعند التأمل العميق في مضامين الخطاب الملكي ، يبرز جلياً حضور مفهوم ” السيادة الوطنية ” بكل أبعاده الاستراتيجية ؛ بأسلوب واثق من الذات ، مستشرف للمستقبل بثبات ، ومحدد بدقة للأولويات والتحديات الكبرى . فلم يعد هذا المفهوم شعاراً عابراً ، بل غدا عقيدة وطنية متكاملة ومنظومة مندمجة تتوزع على المحاور التالية :

### 1 . مبدأ وروح السيادة : الاعتزاز بالهوية والقيم والامتداد التاريخي

تنطلق السيادة الراسخة من جذور عميقة قوامها الالتزام بالهوية المغربية الأصيلة ، والتشبث بالثوابت الدينية والوطنية باعتبارها الحصن الواقي ضد كل أشكال التلاشي الحضاري . ومن هذا المنطلق ، يدعو الخطاب إلى الافتخار بالمغرب الحضاري المتمسك بإمارة المؤمنين ، مع اعتبار الانتماء للوطن شعوراً متجذراً يترجم عبر ضبط الاختيارات والمرجعيات ، والافتخار المتجدد بالإنجازات والمكتسبات الكبرى التي راكمها المغرب بفضل تضافر جهود أبنائه الأوفياء ، لتكون قاعدة صلبة وموثوقة لمواصلة مسيرة المستقبل .

### 2 . ترسيخ السيادة بالإنسان : أولوية الشباب وتمكينهم

إدراكاً بأن الرأسمال البشري هو الثروة الحقيقية وأثمن ركيزة في أي بناء استراتيجي ، يرتكز الاستثمار الأبقى على الإنسان . وهنا تبرز أولوية الشباب خياراً استراتيجياً لا محيد عنه ، ويقوم على ثلاثية متكاملة : البناء ، عبر التربية والتخليق والتعليم والمعرفة ، والتحفيز ، بدعم الابتكار وريادة الأعمال والمبادرات الذاتية ليتحول الشباب إلى طاقات منتجة ورافعة لصناعة المستقبل ، والتحصين ضد تيارات ورياح الاستقطاب والتأطير المنحرفة .

### 3 . السيادة التنموية : استراتيجيات الجيل الجديد والأولويات السيادية

ترتكز السيادة التنموية على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات ذات البرامج الطموحة ، المتسمة بالواقعية والجرأة النقدية البناءة لمعالجة مواقع التعثر ، واستثمار الفرص المتاحة برؤية استشرافية تقطع مع الارتجالية . وتتجلى هذه السيادة في القطاعات الحيوية التي لا تقبل المساومة ؛ وفي طليعتها الأمن المائي ، والغذائي ، والطاقي في ظل التحديات المناخية ، إلى جانب الصناعة الوطنية ذات القيمة المضافة والتحول الرقمي لضمان التموقع الإيجابي في الاقتصاد العالمي الصاعد .

### 4 . بناء سيادة هرمية وتكامل مؤسسي

تقتضي السيادة الفعالة هندسة مؤسسية منسجمة ، تجمع بين مؤسسات مركزية راشدة ترسم السياسات الكبرى ، وتتكامل بسلاسة مع مؤسسات جهوية ومحلية تتمتع بصلاحيات واسعة ومنتجة . ويهدف هذا التكامل المحكم إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية ، وتجاوز البيروقراطية ، وجعل القرار التنموي أقرب ما يكون لنبض المواطنين في كل ربوع المملكة ، مع الالتزام الصارم بقواعد الحكامة الرشيدة .

### 5 . التحكم في تموين السوق الوطني وتطوير التخزين الاستراتيجي

في ظل ارتدادات التقلبات الدولية المتلاحقة ، الجيوسياسية والاقتصادية ، تشكل السيادة الاقتصادية سياجاً منيعاً لحماية الاستقرار الاجتماعي ، عبر التحكم المطلق في تأمين حاجات السوق الوطني بمعزل عن الإكراهات الخارجية . ويبرز هنا التوجه الاستراتيجي نحو تطوير وتحديث منظومة متكاملة للتخزين الاستراتيجي تشمل المواد الأساسية ، الطاقية والغذائية والصحية ، لضمان استمرارية العرض الوطني ومواجهة أي صدمات خارجية بحنكة واستباقية عالية .

### 6 . تعزيز السيادة بجيل متجدد من رجال الأعمال والأفضلية الوطنية

تتكامل منظومة السيادة بظهور جيل جديد من رواد الأعمال والمقاولين الشباب الذين يؤمنون بقيم الإبداع ، والمغامرة الاقتصادية المحسوبة ، والإنتاجية العالية ، والتنافسية الشريفة ، بعيداً عن منطق الريع أو الاكتفاء بالتجارة التقليدية البحتة . ويواكب ذلك دعم النسيج المقاولاتي المحلي عبر تكريس الأفضلية للشركات والكفاءات الوطنية في الصفقات والأوراش الكبرى ، باعتبار المقاولة المغربية شريكاً أساسياً في السيادة الاقتصادية وخلق فرص الشغل المستدامة .

### 7 . السيادة الدبلوماسية واستقلالية القرار والانفتاح الاستراتيجي

تكرس السيادة الدبلوماسية استقلالية وقوة القرار الوطني النابع من المصالح العليا للبلاد وثوابتها التاريخية ، والخروج بكل ثقة من إطارات الشراكات التقليدية الضيقة نحو آفاق دولية متجددة . ويقوم هذا التوجه على علاقات دولية قائمة على الندية ، والاحترام المتبادل ، ومنطق الشراكة المثمرة ، الرابح ـ الرابح ، مما يعزز ثقة المجتمع الدولي في المغرب كقطب للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي .

### 8 . ترسيخ السيادة المؤسساتية ونخبة المسؤولية والتعاقد الوفي

يكتمل بنيان السيادة بترسيخ السيادة المؤسساتية عبر نخبة سياسية وإدارية نزيهة ، تتحلى بروح المسؤولية العالية أمام الله والوطن والتاريخ ، وتجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق . وفي طليعة هؤلاء يأتي ممثلو الأمة والمنتخبون ، الذين يقع على عاتقهم التزام صارم بالتعاقد الوطني الوفي لتطلعات المواطنين ، من خلال تكريس النزاهة ، والشفافية ، وربط المسؤولية بالمحاسبة كشرط أساسي لتعزيز الثقة في العمل المؤسساتي .

هكذا يمثل الخطاب الملكي خارطة طريق متكاملة لتحقيق السيادة الكاملة ، وترسيخ أركانها وتحصين مكتسباتها ، وتوجيه بوصلة التنمية العادلة نحو المستقبل والمجال والإنسان ، وضبط مسار الدبلوماسية والشراكة الدولية على أساسها ، وتحفيز وتخليق وتقييم أداء النخب لتعزيزها .

*** عزيز رباح

الجمعة 9 أكتوبر 2026