الحكومة وأمانة القسم : شرف الثقة ومسؤولية الوفاء …

منير لكماني – 16/10/26 – ألمانيا
تهنئة صادقة إلى من حملوا أمانة الوزارة ، ونالوا الثقة الملكية لخدمة المغرب والمغاربة . نبارك لكم هذا التكليف ، وندعو الله أن يعينكم على الوفاء بحقه ، وأن يجعل صلاحياتكم سبيلا إلى إنصاف الناس وصيانة مصالحهم . فالفرحة بالمنصب تكتمل يوم يلمس المواطن أثرها في مدرسة أفضل ، ومستشفى أرحم ، وإدارة تحفظ كرامته ، وفرصة تفتح أمام أبنائه باب المستقبل .
القسم الذي أديتموه عهد يرافقكم بعد انقضاء مراسمه ، ويشهد على قراراتكم حين تغيب الكاميرات وتغلق أبواب المكاتب . استحضروه عند توقيع العقود ، واعتماد النفقات ، واختيار المسؤولين ، والمفاضلة بين المشاريع . فالكلمة التي تستدعي اسم الله تلزم صاحبها بأن يطابق فعله وعده ، وأن يبقى ضميره يقظا أمام الإغراء والضغط ، وألا يتحول المنصب إلى امتياز شخصي يتجاوز ما تقتضيه الخدمة .
اتقوا الله في مناصبكم ، وفي الضعفاء الذين قد لا تصل أصواتهم إليكم . اجعلوا التقوى عدلا في الحكم ، ونزاهة في التدبير ، ورفقا بمن ضاقت بهم السبل . وراء كل ملف متأخر أسرة تنتظر ، وكل مشروع معطل حاجة تتفاقم . وللوقت في المسؤولية ثمن يدفعه الناس من أعمارهم وأرزاقهم ؛ فأدوا واجباتكم بتفان يقدر استعجال حاجاتهم ، وجدية تحترم حقوقهم ، وحرص على رفع المشقة عنهم .
ليكن الوطن أحب إليكم من مصالح أنفسكم وأهليكم ، ولتظهر هذه المحبة في المواقف التي تمتحن النزاهة . قدموا الكفاءة على القرابة ، والاستحقاق على الولاء ، والمصلحة العامة على المكاسب الحزبية والعائلية . فالمواطنون متساوون في حقهم في الدولة ، ومن واجبكم أن يجدوا أبوابها مفتوحة بالعدل نفسه . وتجنبوا تضارب المصالح ، وافصلوا بين مهامكم وشؤونكم الخاصة ، حتى يصدر القرار عن تقدير مستقل ، وتظل الوظيفة العمومية بعيدة عن حسابات المقربين ونفوذهم .
احفظوا المال العام ، واستحضروا أن لكل درهم وجهة ينتظرها مواطن : دواء لمريض ، أو مقعدا لتلميذ ، أو ماء لقرية ، أو موردا يحمي أسرة من الهشاشة . راجعوا النفقات بعين من يعرف قيمتها ، وأوقفوا التبذير والاستعراض ، وصونوا ممتلكات الدولة من الاستعمال الشخصي . واجعلوا الشفافية قاعدة في إبرام الصفقات وتتبع تنفيذها ، واستفيدوا من تقارير الرقابة لتدارك الخلل ومنع تكراره . فالأموال التي تدبرونها تحمل حقوقا للناس ، ومسؤوليتكم أن تصل إليهم منافعها .
ضعوا الميزانيات حيث تكون الحاجة أشد ، والمنفعة أوسع ، والأثر أبقى . أعطوا الأولوية للمناطق الأقل استفادة من التنمية ، وللخدمات التي تمس حياة الناس مباشرة . واربطوا التمويل بدراسة جادة ، وآجال واقعية ، ومتابعة منتظمة ، وتقييم معلن . فعدالة توزيع الموارد تبدأ بمعرفة الميدان والإنصات لأهله ، وتستدعي مراجعة الاختيارات متى أثبتت الوقائع أن وجهة أخرى أجدى . واحرصوا على استكمال المشاريع وضمان تشغيلها وصيانتها ، حتى تؤدي الغرض الذي أنجزت من أجله .
الجدية الحكومية تظهر في أهداف قابلة للقياس ، ومسؤوليات محددة ، ومواعيد يحترمها أصحابها . اختاروا حولكم من يقول الحقيقة ، ويملك الخبرة ، ويقترح الحلول ، وامنحوا الكفاءات فرصة المبادرة . واجعلوا المعلومة الدقيقة أساس القرار ، وأخبروا المواطنين بما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك ، وحددوا ما ستفعلونه لتجاوز الصعوبات . فالمصارحة تتيح فهما مشتركا للتحديات ، وتحمي النقاش العمومي من الغموض ، وتمنح الإصلاح سندا يزداد رسوخا كلما تطابق الإعلان والإنجاز .
كونوا لبعضكم عونا على الصواب ، وليجد كل وزير في زملائه من ينصحه ويصحح مساره . التضامن الحكومي التزام مشترك بالنتائج ، يقتضي مواجهة الخطأ قبل اتساع ضرره ، ومناقشة الخلاف بشجاعة واحترام . ومن حق الوطن عليكم أن تتعاونوا عبر القطاعات ، وأن تمنعوا تنازع الاختصاصات من تعطيل مصالحه . والاعتراف بالتقصير بداية إصلاحه ، متى تبعته إجراءات واضحة ، ومساءلة منصفة ، واستدراك يحفظ حقوق المتضررين ، ويعيد العمل إلى وجهته الصحيحة .
اقتربوا من المواطنين ، وأصغوا إلى النقد مهما كان مزعجا . زوروا المرافق ، واسألوا العاملين والمرتفقين ، وتابعوا ما يحدث بعد مغادرتكم . يحتاج الناس إلى مسؤول يفهم مرارة الانتظار ، ويحترم صاحب الشكوى ، ويضمن له جوابا ومسارا واضحا للمعالجة . وبسطوا المساطر ، ويسروا الولوج إلى الخدمات للأشخاص في وضعية إعاقة . وليكن الحضور الميداني عملا تتبعه حلول ، وتتحول ملاحظاته إلى التزامات يمكن تتبعها والتحقق من أثرها .
مبارك لكم شرف التكليف ، وأعانكم الله على ثقله . نرجو أن تكونوا جديرين بالثقة المولوية ، أوفياء لقسمكم ، وأن تتركوا للمغاربة ما يستحق الذكر والامتنان . ستنقضي أيام الوزارة ، وتبقى حصيلتها في ذاكرة البلاد . وأجمل ما تردون به على تهنئة اليوم أن يجد المواطن غدا حقه مصونا ، وحياته أكرم ، ومستقبل أبنائه أكثر أمنا .