سلسلة « مغرب الحضارة » …  الإعاقة : مسؤولية الدولة والمجتمع  المغرب ينشئ أول جامعة دامجة في العالم … حينما نريد … نُنجز …

كتب : ذ : عزيز رباح

 

أشرفت صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء ، رئيسة مؤسسة للا أسماء ، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 بالرباط ، على تدشين جامعة للا أسماء ، والتي تُعد أول جامعة دامجة من نوعها على مستوى العالم .

وتأتي هذه المبادرة التاريخية لتتويج مسار متواصل من الاهتمام بأوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة ببلدنا ، سواء من حيث بناء المرافق الضرورية وتطوير البنيات التحتية ، أو من حيث الرعاية عبر تقديم خدمات وتسهيلات متنوعة ، فضلا عن تعزيز الإدماج المهني عبر تخصيص نسبة 7% للتوظيف في القطاع العام لصالح هذه الفئة .

وتفتح هذه المبادرة آفاقا رحبة في مجال التعليم العالي والتكوين المهني لذوي الإعاقة ، عبر تضافر الجهود وبناء شراكات استراتيجية قوية تجمع بين الدولة والجماعات الترابية ، إلى جانب شراكات دولية وازنة .

وتضم هذه الجامعة أربع مدارس رئيسية تقدم 16 دبلوما تغطي مسارات تعليمية متنوعة تمتد من التكوين المهني وصولا إلى سلك الماستر ، وتحتضن 7 مختبرات متخصصة مدعومة لخدمة البحث العلمي . كما توفر طاقة استيعابية تصل إلى 3,500 مقعد دراسي للشباب الصم وذوي السمع الضعيف ، وتشمل فضلا عن ذلك إقامة طلابية لاستقبال الطلبة من مختلف جهات المملكة ومن الخارج .

وقد أُنشئت الجامعة بشراكة مع مؤسسات أكاديمية وعلمية دولية بارزة من ضمنها معهد باستور ، إضافة إلى مؤسسات جامعية في كل من شيكاغو ، ولوفان ، ومونبلييه .

وبهذه المناسبة ، وجب التذكير بأهمية هذه الفئة الاجتماعية من حيث العدد ، والكلفة ، والتحديات ، والفرص المتاحة ، مع اقتراح جملة من الإجراءات اللازمة للاستجابة لحاجياتها ومعالجة النواقص التي ما فتئ كثيرون يحذرون منها .

### أولا : مؤشرات وإحصائيات

تقدم الدراسات والإحصائيات الوطنية الرسمية ، لا سيما تقارير المندوبية السامية للتخطيط ، قراءة دقيقة لواقع الإعاقة بالمغرب ، مما يبرز حجم التحديات والفرص :

\- نسبة الانتشار : تشير المعطيات الرسمية إلى أن نسبة انتشار الإعاقة في صفوف المغاربة تبلغ حوالي 6,8% من إجمالي السكان ، وهو ما يعادل أكثر من 2,2 مليون شخص في وضعية إعاقة .

\- التوزيع العمري والجنسي : تتركز نسب مرتفعة من حالات الإعاقة في الفئات العمرية المتقدمة نتيجة الأمراض المزمنة والشيخوخة ، بينما تسجل فئة الشباب والطفولة نسبا تتطلب تدخلا مبكرا للتشخيص والتأهيل .

\- مؤشرات التعليم والتشغيل : تظهر الإحصائيات تحديات كبرى في مستويات التمدرس والاندماج المنتظم لهذه الفئة ، حيث تسجل نسب البطالة والهشاشة في صفوف الأشخاص في وضعية إعاقة معدلات مضاعفة مقارنة بباقي أفراد المجتمع .

### ثانيا : الإعاقة … كلفة وفرصة

تؤكد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة أن التعامل مع قضية الإعاقة يتطلب موازنة دقيقة بين احتساب الكلفة الباهظة للإقصاء ، واستثمار الفرص الكامنة في الرأسمال البشري .

فمن حيث الكلفة على الأسر والدولة ، وجب ذكر ما يلي :

\- الرعاية الاجتماعية والصحية : تظهر تقديرات الأسر التي تضم أفرادا في وضعية إعاقة أن النفقات المباشرة وغير المباشرة المخصصة للعلاج ، والتأهيل الطبي ، واقتناء المعدات التقنية الباهظة تستنزف جزءا معتبرا من دخل الأسر ، فضلا عن تكاليف الرعاية المستمرة التي تتحملها ميزانية الدولة .

\- تكلفة البنيات والولوجيات : تتكبد الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والخصوصية تكاليف مالية لتكييف الفضاءات والبنيات التحتية ، ووسائل النقل ، والمرافق العامة لتصبح ملائمة للجميع .

\- كلفة الفرص الضائعة : تشير تقارير دولية ومحلية إلى أن استبعاد الأشخاص في وضعية إعاقة من دورة الإنتاج يكلف الاقتصاد الوطني نسبا مهمة من الناتج الداخلي الخام سنويا بسبب هدر الطاقات المنتجة .

ومقابل هذه الكلفة ، تبرز جملة من الفرص التي وجب انتهازها لصالح هذه الفئة والمجتمع والدولة ، منها :

\- عائدات الإدماج الاقتصادي : يؤكد الخبراء أن دمج الأشخاص في وضعية إعاقة في سوق العمل يساهم في تحويلهم من فئات مستهلكة إلى منتجين رافعين للناتج المحلي ، حيث أثبتت التجارب نجاحهم المتميز في مهن حرفية ، ورقمية ، وتجارية دقيقة .

\- العائد الاجتماعي والتنموي : كل استثمار دراسي ومهني يقلل بشكل جذري من تكاليف الرعاية الاجتماعية طويلة الأجل على الدولة والأسر ، ويخلق قيمة مضافة حقيقية تعزز التماسك الاجتماعي وتحقق أهداف التنمية المستدامة .

### ثالثا : آفاق واعدة

إن تدشين جامعة للا أسماء ليس سوى محطة مضيئة في مسار متواصل من البناء والتحديث ، يستوجب منا اليوم استشراف المستقبل برؤية استراتيجية متكاملة لترسيخ مجتمع الإنصاف وتكافؤ الفرص . ومن هذا المنطلق ، تبرز أولويات أساسية لتعزيز هذا المسار :

\- بطاقة المعاق : ترشيد تنزيل مقتضيات بطاقة المعاق ، وتفعيل السجل الوطني الخاص بهم ، واستكمال جدادة الخدمات الضرورية لهم ، مع تصفية شاملة لكل التلاعبات ضمانا للاستحقاق .

\- دعم الأسر الحاضنة : إقرار آليات دعم مالي ، واجتماعي ، ونفسي فعالة لمساندة الأسر الحاضنة للأشخاص في وضعية إعاقة ، نظرا للأعباء والرعاية المكلفة المترتبة عن ذلك .

\- الوقاية والتدخل المبكر : إطلاق برنامج وطني شامل لمعالجة الإعاقة في مهدها ، لا سيما لدى الرضع والأطفال ، مع التركيز على الحد من الإعاقات الناجمة عن الولادات العسيرة والمضاعفات الصحية .

\- تطوير البحث العلمي والابتكار : دعم وتطوير البحث العلمي لإبداع حلول اجتماعية ، واقتصادية ، وتقنية مبتكرة تلبي الاحتياجات الخاصة لذوي الإعاقة وتيسر اندماجهم .

\- تحفيز العمل المدني والإحسان : إيجاد إطار تشريعي وتنظيمي محفز للعمل الجمعوي والإحساني الموجه لدعم ذوي الإعاقة ، بما يعزز قيم التضامن والتكافل المجتمعي .

\- الاستثمار في صناعة الحاجيات : تشجيع الصناعات الوطنية في مجال التجهيزات التقنية ، والأجهزة التعويضية ، والمعدات المساعدة بأسعار مناسبة وفي متناول الجميع ، مما يخفض كلفة الاستيراد ويدعم الاستقلالية .

\- التخفيض الضريبي : تخفيض أو إزالة الضرائب الممكنة عن كل اللوازم ، والمعدات ، والأدوية ، والخدمات الموجهة لهذه الفئة ، مع الالتزام بالصرامة في تنزيل هذا الإجراء .

وختاما ، وجب التذكير بأن الدولة والمجتمع اللذين يوليان رعاية فائقة للفئات الخاصة والهشة … من فقراء ، ومسنين ، وأيتام ، وذوي إعاقة … ويحفظان كرامتهم ، يبارك الله عز وجل فيهما ولهما ، ويفتح عليهما من البركات والخيرات ما لا يعد ولا يحصى ، لتظل المملكة المغربية واحة متجددة للرحمة والتضامن والتنمية الشاملة .

والخير أمام .

عزيز رباح

الجمعة 16 أكتوبر 2026