سلسلة ” مغرب الحضارة ” …  النزاهة ومحاربة الرشوة والفساد : معركة كبرى للدولة والمجتمع …

يحتل موضوع محاربة الفساد وتعزيز النزاهة صدارة النقاش العمومي في بلادنا باعتباره رافعة أساسية لترسيخ دعائم دولة الحق والقانون وتعزيز الثقة في المؤسسات لدى المواطن وتوطيد الإقلاع الاقتصادي وإنجاح ورش الدولة الاجتماعية وتقوية الجبهة الداخلية. وفي هذا السياق تكتسي التقارير الصادرة عن الهيآت الدولية المعتبرة والهيآت الوطنية ذات الصلة ومنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أهمية بالغة مسلطة الضوء على الاختلالات الهيكلية التي واجهت السياسات السابقة ومقترحة معالم واضحة لجيل جديد من السياسات العمومية القائمة على النجاعة والشجاعة الإصلاحية والجدية في التنزيل.

ويأتي تقرير الهيئة وهي مؤسسة دستورية مرجعية ليقدم تشخيصاً موضوعياً وجريئاً لحصيلة عقد كامل من تنزيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025) كما يقدم خارطة طريق للمرحلة المقبلة قصد تعزيز مسار المغرب الصاعد وتحصينه من كل أعطاب الفساد وكلفته المرتفعة على كل الأصعدة وخاصة الاجتماعية والاقتصادية.

التشخيص العام
كشف التقرير عن فجوة كبيرة بين الأهداف المسطرة على الورق والواقع الميداني وهو ما تجلى بوضوح في المحاور التالية:
– التعثر في التنزيل والالتزام بالآجال: شهدت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد تعثراً كبيراً تمثل في عدم إنجاز ما يناهز 46% من مشاريعها بعد مرور عشر سنوات على انطلاقها فضلاً عن اختلال جاد في الجدولة الزمنية حيث لم تحترم أكثر من 60% من المشاريع المنجزة آجالها المحددة إذ لم تتعدَ نسبة الملتزمين بالجدولة 38%.
– التفاوت بين العمل التشريعي والعمل الإجرائي: برزت مفارقة مقلقة تتمثل في كون المشاريع التشريعية التي تشكل العمود الفقري والبنياني لأي إصلاح حقيقي كانت الأكثر تعثراً بنسبة إنجاز لم تتجاوز 44% مقابل نسبة إنجاز بلغت 57% للمشاريع الإجرائية والتقنية البحتة.
– التردد التشريعي في الملفات الكبرى: اتسم الوضع باستمرار التأخر غير المبرر في حسم وتشريع النصوص القانونية الحارقة وعلى رأسها قانون تجريم الإثراء غير المشروع إلى جانب بقاء النقص والنصوص غير المكتملة مطبوعة على المجالات المرتبطة بتنظيم حالات تنازع المصالح وحماية المبلغين والشهود والخبراء فضلاً عن قصور منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات.
– طغيان الشكلية والواجهة: اتسمت أطوار عديدة من تنزيل السياسات السابقة بطغيان تضخيم واجهات النشاط الإداري عبر تنظيم اللقاءات وإصدار الأدلة الشكلية وإعداد التقارير الورقية على حساب التنزيل العملي والميداني والأثر المباشر على المواطن.
– قصور آليات الوقاية وتدبير المخاطر: تحولت آليات الرقابة التقليدية مثل التصريح بالممتلكات إلى إجراءات شكلية تفتقر للآليات الرقمية والتقاطعات البنكية والمالية الدقيقة التي تجعل منها أداة حقيقية لتتبع الثروات والمساءلة يوازيها افتقار شديد لثقافة تدبير المخاطر داخل الإدارات والمؤسسات العمومية لاسيما في الصفقات الكبرى وتدبير الموارد والمشاريع الحساسة.
– تعثر الرقمنة المندمجة: عانت جهود التحول الرقمي من طابع قطاعي متشتت وغياب رؤية وطنية موحدة ومندمجة تجعل من التكنولوجيا درعاً حصيناً ضد الرشوة إلى جانب عدم استجابة بعض الخدمات الرقمية لاحتياجات المواطنين مما يبقي مساحات للتماس البشري المولّد للفساد.
– الأثر السلبي وتآكل الثقة: استمرت انعكاسات الفساد كمعيق رئيسي لمناخ الاستثمار والمقاولة وتأثيره السلبي والمباشر على الحياة اليومية للمواطن وعلى مستويات الثقة في المردودية المؤسساتية.

مداخل الإصلاح والتوصيات الاستراتيجية
للقطع مع اختلالات الماضي وبناء استراتيجيات مستقبلية فعالة تقدم الهيئة حزمة متكاملة ومترابطة من المداخل الإصلاحية:
– تجويد التخطيط: يتطلب الأمر تقليص الأفق الزمني للاستراتيجيات عبر الانتقال بالتخطيط من مداه الطويل (10 سنوات) إلى أفق زمني خماسي (5 سنوات أو أقل) يتطابق مع الدورات الحكومية والمؤسساتية لضمان دقة التتبع والتقييم المستمر وربط المسؤولية بالمحاسبة بانتظام إلى جانب اعتماد التدبير بالنتائج عبر التخلي الكلي عن البرامج الإدارية الكمية وإرساء مؤشرات دقيقة وموضوعية قابلة للقياس الميداني.
– استكمال التشريع الصارم: يستوجب الوضع الإسراع بإخراج قوانين تجريم الإثراء غير المشروع مع الحرص على التوازن الدقيق بين الفعالية الزجرية والوقائية وضمانات الأمن القانوني وقرينة البراءة والمحاكمة العادلة فضلاً عن سد الثغرات القانونية بمراجعة قوانين تنازع المصالح وتحيين وتعديل قانون التصريح بالممتلكات لجعله رقمياً وشاملاً وتعزيز منظومة حماية المبلغين والشهود.
– الحكامة والتحول الرقمي: تقتضي المرحلة جعل الرقمنة مبدأً مركزياً موجهاً نحو المواطن والمقاولة حصرياً لتبسيط المساطر وتقليص مساحات التواصل البشري وتوسيع الإدماج الرقمي مع إرساء آليات استباقية صارمة لتدبير المخاطر والشفافية في القطاعات الأكثر عرضة للفساد كالصفقات الكبرى والعقارات والاستثمار والقضاء.
– العمل الجماعي والمجتمعي: يقوم الإصلاح على بناء تحالف وطني ومؤسساتي متين يجمع بين الدولة والسلطة القضائية والمؤسسات الدستورية والقطاع الخاص والمجتمع المدني مع نشر ثقافة النزاهة والوعي المجتمعي عبر إدماج قيم الشفافية ورفض الفساد في منظومة التربية والتكوين والإعلام العمومي والتوعية الدينية لخلق بيئة مجتمعية محصنة.

هكذا إذن ترسم هذه المؤسسة الدستورية بعض معالم الخيار الوطني في تحقيق النزاهة ذلك أن معركة محاربة الفساد لم تعد ترفاً سياسياً أو خياراً قطاعياً عابراً أو تدبيراً تقنياً بل هي شرط جوهري لتعزيز مسار المغرب الصاعد وتحصين مؤسسات الدولة وإداراتها من تغلغل لوبيات الفساد المنظم واختراق المتآمرين من الداخل والخارج ومحاربة كل أنواع الخيانات في الأمانات والعهود.

ولذلك سيكون من اللازم تكليف من يسهر على تنزيل خارطة الطريق من ذوي الأخلاق الحميدة والمشهود لهم بالنزاهة والصرامة والخبرة الميدانية وما أكثر هؤلاء في قطاعات عدة. كما يلزم أن تُعطى لهم كافة الإمكانيات والضمانات والدعم والحماية من أعلى مستوى في الدولة.

فالمغرب الصاعد يخوض معركة التنمية بكل إصرار وللانتصار فيها وجب عدم التردد في ترسيخ الثقة وزرع الأمل بإزالة كل المسامير التي تفسد عجلات السير والمطبات التي تعيق القطار والخرق التي تتسرب منه المياه للمركب. وقد أكد التقرير في أغلب ثناياه على الجدية والحسم في المساءلة والمحاسبة في كل المستويات وخاصة أن هناك من يتجرأ على كل شيء ولا يرعوي ولا يحترم أية مؤسسة ولا يقدر قيمة أمانة الثقة التي فيه ويتسبب في كثير من الآلام للمواطنين والأصرار بالمجتمع.

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في تنشئة الأجيال الصاعدة على الثوابت والقيم الدينية والوطنية يُمثل صمامَ أمانٍ استراتيجياً وحصناً منيعاً للوقاية المسبقة من آفة الفساد. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على المقاربة العلاجية وحدها بل يقتضي حتماً التكامل الخلاق بين الوقاية البنيوية والمعالجة الصارمة وذلك عبر زرع الضمير المهني والأخلاقي في الناشئة ليكون الوطن بوصلة دائمة وليصبح الالتزام بالنزاهة سلوكاً يومياً وعقيدة مجتمعية لا تُخترق.
والخير أمام.

عزيز رباح
الإثنين 19 أكتوبر 2026