مكي السندي بحر … ذهب وهو يُعلِّم ، وبقينا وحدنا في المجموعة

د . الصادق البديري
ثمة أخبار تصلك فتوقف الزمن لحظة، لا لأنها مفاجئة في زمن الحرب ، بل لأن فيها شيئاً يتجاوز الخبر إلى ما هو أعمق وأكثر إيلاماً ، اسم تعرفه ، صوت تتذكره، ضحكة ظلت حية في الذاكرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً . هكذا جاء خبر رحيل مكي السندي بحر ، المعلم والصديق والرفيق ، الذي ودّع الحياة في مكانه الأكثر دلالة : بين أطفاله في مدرسته، ضحية قصف جوي نفّذته مليشيا الدعم السريع بطائرة مسيّرة غادرة لم تُفرّق بين معلم وتلميذ بين حلم وبراعم حياة .
غادرنا مكي في لحظة كانت يداه تؤدي ما أحبّه وآمن به : التعليم . ذلك الفعل الصامت الذي يبدو بسيطاً من الخارج لكنه في حقيقته رسالة تحمل ثقل الأجيال … لم يرحل في ميدان معركة ، ولم تسقطه رصاصة وهو يحمل سلاحاً ، رحل وهو يحمل قلماً وكتاباً ، في فصل دراسي كان يُفترض أن يكون آمناً كأسوار المدرسة التي بناها المجتمع لتكون حصناً لأبنائه لا هدفاً لقذائفه . معه رحل زميل له في الرسالة ذاتها ، وخمسة عشر طفلاً كانوا يجلسون أمامه ينتظرون ما ستحمله لهم الحياة من معرفة وجمال وأفق .
عرفتُ مكي كما يعرف الإنسان نفسه؛ بلا كلفة ولا تصنّع . كنا أطفالاً معاً حين تلتقط الذاكرة أول صورة للصداقة ، ثم شباباً في فصول الدراسة حيث تتشكّل الشخصية ويتعلم المرء كيف يكون … كان دمث الأخلاق بمعنى الكلمة الحقيقي ، لا بمعنى الوصف الجاهز الذي يُقال عند الموت ثم يُنسى ، بل بمعنى أن الناس كانوا يرتاحون له لأول وهلة ، وأن في صحبته شيئاً يشبه الدفء الذي لا يحتاج إلى سبب . كان بشوشاً ودوداً ، طيباً فاضلاً ، تجد فيه النقاء الذي أصبح نادراً في زمن صار فيه التصنّع فناً …
ما يزيد الأمر عمقاً في حزنه هو أن مكي لم يكن ظلاً بعيداً في الماضي ، كان حاضراً بيننا حتى اللحظة الأخيرة . مجموعة واتساب جمعتنا ، نحن رفقاء فصول الدراسة من أكثر من ثلاثين عاماً ، كانت آخر أوردة الصداقة الحية بيننا في زمن الشتات. فيها كان مكي كما عرفناه دائماً : وفياًو، حاضراً ، لا يبخل بكلمة أو مشاركة أو ضحكة . تلك المجموعة الصغيرة على شاشة هاتف كانت تختصر ثلاثة عقود من العمر المشترك ، وفي كل رسالة كان يُرسلها كان يقول بطريقته الهادئة : أنا هنا ، ولم أنسَ …
الآن وقد رحل، تصبح تلك الرسائل القديمة وثيقة تاريخية لا محادثة . تصبح كل صورة أرسلها ، وكل تعليق كتبه ، وكل نكتة أطلق بها ضحكاتنا ، شاهداً على رجل عاش بصدق وأحبّ بصدق ورحل بصدق ، في مكانه الصحيح وإن كان الوقت ظالماً والثمن فادحاً.
يستفزّني في هذا الرحيل ما هو أوسع من الحزن الشخصي. مكي لم يُقتل وحده ، قُتل معه خمسة عشر طفلاً كانوا في مقتبل الحياة ، لم يتجاوزوا بعد تلك المرحلة التي يرى فيها الإنسان العالم كله أمامه مفتوحاً . قُتل معه زميله في التعليم، ذلك الإنسان الآخر الذي اختار هو الآخر أن يجعل من التدريس حياته . وقُتلت في تلك اللحظة مدرسة بأكملها بكل ما تمثله من أمل مجتمعي وثقة في المستقبل … المدرسة لم تكن في يوم من الأيام هدفاً مشروعاً في أي قانون إنساني أو عرف بشري ، استهدافها ليس خطأً عسكرياً ، بل هو إعلان حرب على مفهوم الحضارة ذاته .
ما الذي نقوله لمكي الآن وقد صار في مكان لا تصله الكلمات … ؟ نقول له ما كنا سنقوله لو حدّثنا : شكراً لأنك علّمت . شكراً لأنك آمنت بأن بناء الإنسان أجدى من كل ما يهدمه . شكراً لأنك ظللت صادقاً مع صداقتنا القديمة حتى آخر لحظة. وشكراً لأنك أثبتّ بحياتك قبل رحيلك أن ثمة ناساً ما زالوا يختارون البقاء في الخندق الصعب : خندق التعليم في بلد تأكله الحرب .
تبقى لنا منك يا مكي صور الطفولة وضحكات فصول الدراسة ، وتلك الرسائل الحية على شاشة هاتف لن تمحوها يد ، وذاكرة جماعية تعرف أنك كنت بيننا خيراً محضاً . أما الخمسة عشر طفلاً الذين رحلوا معك ، فهم يسألون العالم سؤالاً لا يحتمل الصمت : لماذا كانت المدرسة هدفاً … ؟ ولا جواب يليق بهذا السؤال سوى المحاسبة ، وأن لا يُنسى اسم كل واحد منهم كما لن يُنسى اسمك .
رحمك الله يا مكي ، وأسكنك فسيح جناته ، وجمعنا بك في دار لا تعرف فيها الطائرات المسيّرة طريقها إلى المدارس …